محمد أبو زهرة

2088

زهرة التفاسير

إحداهما : ما يمتازون به عن المشركين بالعلم ، وأنهم ليسوا أميين ، بل هم مدركون عمن دونهم . والفائدة الثانية : تقريعهم ولومهم بأنهم مع أنهم معروفون بعلمهم بالكتابة ومصاحبتهم لهم قد أخفوا كثيرا . وقوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا فيه ما يومئ بأنهم مختصون بالخطاب ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث للناس أجمعين عربهم وعجمهم ، وأسودهم وأبيضهم ، كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً . . . ( 28 ) [ سبأ ] ولكن كان الإيماء بالاختصاص لما يتضمنه البيان الذي من بعد ذلك ، من أنه يبين كثيرا مما كانوا يخفون ، فكان هذا نوع اختصاص لهم ، وإن كان القرآن قد جاء لعامة المكلفين لا فرق بين كتابي وأمي ، ولا بين من كانت له ديانة سماوية ومن لم يكن له بلاغ من قبل ، وكان التعبير بقوله تعالت كلماته ب جاءَكُمْ بدل « بعث لكم » للإشارة إلى أنه يحاضرهم ويخاطبهم ومعهم جاء إليهم يرونه ويراهم ، وإضافة رسول إلى الله تعالى في قوله سبحانه رَسُولُنا فيه إشارة واضحة إلى أن البيان من الله سبحانه وتعالى ، وكأن المعنى ، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى : قد جاءكم يحاضركم ويخاطبكم رسولنا الذي ينطق باسمنا ، ويتحدث عنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون . يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ هذا النص الكريم صريح في أنهم كانوا يخفون أمورا من علم الكتاب الذي نزل على موسى ، وما جاء به عيسى عليهما السلام ، وقد قال تعالى في شأنهم : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) [ البقرة ] . وهنا نتساءل ما الذي أخفوه وبينه القرآن ، والجواب عن ذلك : هو كل ما جاء في القرآن من تكليفات دينية تتصل بالفطرة الإنسانية ، ولا تختص بقوم دون قوم ، مثل الصدق ، وحسن المعاملة للناس ، وإعطاء الناس حقوقهم لا فرق بين